المنظمة العربية للقانون الدستوري

منبر للخبراء و الباحثيين الدستوريين للخوض في السياسات العامة بالمنطقة العربية

المنظمة العربية للقانون الدستوري

تقارير ومقالات

من نافلة القول أن هناك مجموعة من القواعد والأصول الفقهية والقضائية جرى الاطمئنان بها، واستتب العمل بها، ينبغي على الجهات المناط بها تفسير النصوص التشريعية احترامها ومراعاتها والتقيد بها في محاولتها لاستجلاء المعنى الذي قصده المشرًع حقيقةً، وإزالة ما يظهر من تعارض بينه وبين نص آخر بالجمع والتوفيق او ترجيح احدهما على الأخر، سواءً أكان المشرّع دستورياً أم مشرّعاً عادياً، ولا يجوز توهم ذلك القصد أو افتراضه حتى لا تحمل هذه النصوص على غير المعنى المقصود منها ابتداءً، بل مناطها ما تغياه المشرّع حقاً حين صاغها. وهذه القواعد والأصول تشكل قيود على المفسر في قيامه بدوره في تفسير النصوص، على نحو يمكن معه القول إن عدم التزام المفسر بهذه الأصول والقواعد يجعل التفسير خاطئا أو يخرجه من مجال التفسير الى مجال التأويل غير الصحيح، بل يمكن ان يشكل عمله في هذا الصدد افتئاتاً على مناطق محظورة عليه باعتبارها محجوزة دستورياً للسلطة التشريعية وحدها. ولا يجوز أن يكون التفسير موطئاً إلى تعديل النصوص ذاتها بما يخرجها عن معناها، أو يجاوز الاغراض المقصودة منها.

وقد اناط الدستور العراقي بالمحكمة الاتحادية العليا الاختصاص بتفسير نصوص الدستور في البند الثاني من المادة 93 منه.

وبناءً على النص الدستوري آنف الذكر استوضح مجلس النواب العراقي المحكمة فيما يعرض على هيئة رئاسة المجلس من مقترحات تقدم من (1/5) من أعضاء مجلس النواب لتعديل مادة أو مادتين من مواد الدستور، وفيما إذا كان ينبغي التعامل معها وفق الآليات المرسومة في المادة (126) من الدستور ام وفق الآليات المرسومة في المادة (142) منه.

وقبل عرض مضامين قرار المحكمة التفسيري لا بد من بيان النصوص الدستوية محل الاستيضاح وعلى النحو الآتي:

أولاً: بناءً على أحكام المادة ( 126) من الدستور فإن:

  • لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين، أو لخُمس (1/5) اعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور.
  • لا يجوز تعديل المبادئ الاساسية الواردة في الباب الاول، والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، الا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناءً على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية، خلال سبعة ايام.
  • لا يجوز تعديل المواد الاخرى غير المنصوص عليها في البند "ثانياً" من هذه المادة، الا بعد موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية، خلال سبعة ايام.
  • لا يجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور، من شأنه ان ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لا تكون داخلةً ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، الا بموافقة السلطة التشريعية في الاقليم المعني، وموافقة أغلبية سكانه باستفتاءٍ عام.

أـ يُعدُ التعديل مصادقاً عليه من قبل رئيس الجمهورية بعد انتهاء المدة المنصوص عليها في البند "ثانياً" و "ثالثاً" من هذه المادة، في حالة عدم تصديقه.

ب ـ يُعدُ التعديل نافذاً، من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.

ثانياً: وبناءً على أحكام المادة (142) من الدستور فإنه:

  • يشكل مجلس النواب في بداية عمله لجنة من اعضائه تكون ممثلة للمكونات الرئيسة في المجتمع العراقي ، مهمتها تقديم تقرير الى مجلس النواب، خلال مدة لاتتجاوز اربعه اشهر، يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن اجراؤها على الدستور، وتحل اللجنة بعد البت في مقترحاتها.
  • تعرض التعديلات المقترحة من قبل اللجنة دفعة واحدة على مجلس النواب للتصويت عليها وتعد مقرة بموافقة الاغلبية المطلقة لعدد اعضاء المجلس.
  • تطرح المواد المعدلة من قبل مجلس النواب وفقا لما ورد في البند ( ثانياً ) من هذه المادة على الشعب للاستفتاء عليها، خلال مدة لا تزيد على شهرين من تاريخ اقرار التعديل في مجس النواب.
  • يكون الاستفتاء على المواد المعدلة، ناجحاً بموافقة اغلبية المصوتين، واذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات او اكثر.
  • يستثنى ما ورد في هذه المادة من احكام المادة ( 126) المتعلقة بتعديل الدستور، الى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة.

ثالثاً: استناداً لأحكام البند (ثالثاً) من المادة (90) من النظام الداخلي لمجلس النواب تختص اللجنة القانونية بمعاونة المجلس ولجانه في صياغة النصوص التشريعية.

وتلزم الإشارة إلى أنه وإعمالاً لنص المادة (142) من الدستور سبق وأن قام مجلس النواب العراقي بتشكيل لجنة من اعضائه ممثلة للمكونات الرئيسية في المجتمع العراقي، وبعد انجاز اللجنة لإعمالها قدمت تقريرها لمجلس النواب، خلال المدة المحددة متضمناً توصيةً بالتعديلات الضرورية التي يمكن اجراؤها على الدستور، ولم يبت المجلس في التوصية المقدمة من اللجنة والتي انطوت على التعديلات المقترحة على نصوص الدستور.

            وقد اصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها التفسيري المرقم  (54/اتحادية/2017 ) المؤرخ في 21/5/2017 الذي ذهبت فيه إلى أنه (( ولدى التدقيق والمداولة من المحكمة الاتحادية وبعد استقراء مضامين المادتين (126) و (142) من الدستور، وجد أن المادة (142) من الدستور شُرّعت لظروف تستدعي تأمين مصلحة مكونات الشعب الرئيسية في المجتمع العراقي وذلك من خلال تعديل نصوص الدستور ومن الاجراءات والخطوات المرسومة فيها والتي تختلف في بعض مفاصلها عن الاجراءات الواردة في المادة (126) من الدستور مراعاة ً للأعتبارات التي شرّعت من أجل تحقيقها، وقد أوردت الفقرة (خامساً) منها ونصها الآتي (يستثنى ما ورد في هذه المادة من احكام المادة (( 126) المتعلقة بتعديل الدستور، الى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة)). لذا فأن هذا الاستثناء الذي أوردته المادة (142) في فقرتها (الخامسة) يشكل شرطاً ما لم يتحقق فلا يمكن تطبيق أحكام المادة (126) من الدستور وأن الحكم الدستوري يلزم بمراعاة ذلك الشرط. وتأسيساً على ما تقدم، تجد المحكمة الاتحادية العليا أن تطبيق أحكام المادة (126) من الدستور عند تقديم مقترح بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور لا يكون إلاّ بعد البت في التعديلات التي أوصت بها اللجنة المنصوص عليها في الفقرة (أولاً) من المادة (142) ووفق الاجراءات المرسومة بهذه المادة)).

ومع كبير احترامنا لقضاء المحكمة الاتحادية العليا، نذهب إلى القول أن المحكمة في قرارها المذكور قد جانبت الصواب وخرجت عن الأصول والقواعد المعتمدة في التفسير فضلاً عن افتقار مضمون القرار لأيّ سند من الدستور؛ ودليلنا في ذلك ما يلي:

  • إن الحكم الذي أورده البند الخامس من المادة (142) من الدستور يُعدّ حكماً أستثنائياً من الأصل العام الذي أورده الدستور في نص المادة (126) منه بشأن التعديلات الدستورية، إذ أن الأصل العام هو جواز التعديل الدستوري؛ ذلك لأن الأصل في القاعدة الدسستورية أن تكون قابلة للتعديل؛ لأنها تعبير عن حقيقة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ونظراً لأنه لا توجد حقائق مطلقة أبدية، وانما توجد حقائق نسبية قابلة للتعديل، فيجب بالتالي أن تأخذ التغييرات الضرورية مكاناً لها في الدستور، مما يعني ضرورة تعديله في الوقت القريب أو البعيد. وإن الأستثناء ينحصر في عدم جواز التعديل على الأحكام المتعلقة بتشكيل اللجنة المكلفة بتقديم مقترحات التعديل الدستوري، وعلى النصوص التي تناولها تقرير اللجنة المشكلة بموجب المادة (142) من الدستور- في أبعد مدىً يمكن أن يصل له ذلك الاستثناء في حال التسليم بكون ذلك لا يكون تحميلاً للنص بأكثر مما تحتمله عباراته وألفاظه-، بدليل ما ورد في صدر البند الخامس من عبارة (يستثنى ما ورد في هذه المادة)، وإن ما تضمنته المادة (142) من الدستور ينحصر في تشكيل اللجنة ومهامها وتوصياتها بالتعديل الدستوري والاستفتاء الشعبي على المواد المعدلة، وإن القاعدة الدستورية والفقهية المعتمدة في تفسير النصوص– وكما ذهبت إليه المحكمة ذاتها في قرارها المرقم 85/اتحادية/2016 في 8/11/2016– تقضي بعدم جواز التوسع بالاستثناء، كما وأن الإستثناء لا يجوز القياس عليه كما هو ثابت، وإن الضرورة تقدر بقدرها.
  • وإن مما يؤيد ما ذهبنا إليه أيضاً، العبارات التي وردت في ذيل البند الخامس من المادة (142) من الدستور (الى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة)، ذلك أنه وفي حال انتهاء المجلس من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة ينتفي الغرض من وجود الاستثناء المنصوص عليه في البند (الخامس) منها، ويصار إلى العودة إلى الأصل العام الحاكم لاجراءات تعديل الدستور المنصوص عليه في المادة (126) منه، ولا خوف حينئذٍ إذا جرى تعديل نص المادة (142) من الدستور وفقاً للإجراءات المبينة في المادة (126) منه.
  • إن التفسير الذي يتلائم مع القواعد والأصول المرعية يقضي بالقول بأن الحضر الموضوعي الذي أورده الدستور في نص البند الخامس من المادة (142) منه ينحصر ويتحدد نطاقه في عدم جواز اجراء التعديل على الأحكام المتعلقة بتشكيل اللجنة المكلفة بتقديم مقترحات التعديل الدستوري بالاستناد لما أورده الدستور ذاته في صدر البند الخامس من المادة عينها " يستثنى ما ورد في هذه المادة "، وقاعدة عدم جواز التوسع بالاستثناء أو القياس عليه، فما ثبت على خلاف القياس لا يجوز القياس عليه ، وعدم وجود مساغ للاجتهاد في مورد النص الواضح.

أما بشأن الحضر الزمني الذي أورده الدستور في نص البند الخامس من المادة (142) منه، فيتحدد نطاقه زمنياً بالفترة السابقة على الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة.

ندعو محكمتنا الدستورية الموقرة إلى اعادة النظر في قرارها – مدار البحث – بما ينسجم والقواعد والأصول المتسالم عليها في تفسير النصوص الدستورية، وأن ﻻ ﺗﺣملها ﻋﻠﻰ ﻏﻳﺭ ﻣﻘﺎﺻﺩﻫﺎ، وألا تفسر عباراتها بما يخرجها عن معناها، ﺃﻭ بما ﻳﺅﻭﻝ ﺍﻟﻰ ﺍﻻﻟﺗﻭﺍء ﺑﻬﺎ ﻋﻥ ﺳﻳﺎﻗﻬﺎ، أو بما يعتبر ﺗﺷﻭﻳﻬﺎ ﻟﻬﺎ ﺳﻭﺍء ﺑﻔﺻﻠﻬﺎ ﻋﻥ ﻣﻭﺿﻭﻋها، أو بمجاوزتها الأغراض المقصودة منها، تقديراً بأن المعاني التي تدل عليها هذه النصوص، والتي ينبغي الوقوف عندها، هي التي تعتبر كاشفة عن حقيقة محتواها، ﻣﻔﺻﺣﺔ ﻋﻣﺎ ﻗﺻﺩﻩ ﺍﻟﻣﺷرّﻉ ﻣﻧﻬﺎ، مبينة عن ﺣﻘﻳﻘﺔ وجهته وغايته من إيرادها ، ﻣﻠﻘﻳﺔ ﺍﻟﺿﻭء ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻋﻧﺎﻩ ﺑﻬﺎ.

بقلم محمد يوسف السعدي

للاطلاع على القرار اضغط هنا 

 

+216 31 197 377
ضفاف البحيرة
تونس الجمهورية التونسية 
التسجيل في النشرة الإخبارية


Joomla Extensions powered by Joobi