المنظمة العربية للقانون الدستوري

منبر للخبراء و الباحثيين الدستوريين للخوض في السياسات العامة بالمنطقة العربية

المنظمة العربية للقانون الدستوري

تقارير ومقالات

تعليق على قضية مازن عادل على دينق ضد وزارة الداخلية ووزارة العدل السودانيتين

المحكمة الدستورية/قضية دستورية/153/2015

 

تبع انفصال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011 تعديل قانون الجنسية السودانية بُغية تجريد من يستحقون جنسية جنوب السودان من الجنسية السودانية. وقد أدى ذلك التعديل، ولا غرابة، إلى بروز قضايا حول المواطنة رُفعت من قِبَل أفراد مولودين من زيجات مختلطة، وذلك أمام المؤسسات القضائية السودانية، حيث تَقَدَّم أشخاص بطلبات أو طعون ضد قرارات جردتهم من الجنسية السودانية أو منعتهم من الحصول عليها أو من استعادتها. ومن المؤسف حقاً، من ناحية، أن يكافح أشخاص ولدوا على التراب السوداني ولم يعرفوا مكاناً غيره وطناً من أجل إثبات مواطنتهم. ومن ناحية أخرى، هي ظاهرة إيجابية أن ساحة هذا الكفاح هو، على وجه العموم، المحاكم، وليس السجون، أو دور الاحتجاز، أو شاحنات الترحيل، كما كان متوقعاً من تصريحات بعض المسؤولين السودانيين قبيل فك الارتباط النهائي بين شمال السودان وجنوب السودان.

وتعتبر قضية مازن عادل علي دينق (ويشار إليها هنا فيما بعد بقضية مازن دينق) وآخرون، التي فصلت فيها المحكمة بتاريخ 23 أغسطس/آب 2016، ثاني قضية تنظر وتفصل فيها المحكمة الدستورية؛ حيث كانت القضية الأولى هي قضية إيمان حسن بنجامين ضد حكومة السودان، التي تم الفصل فيها في يوليو/تموز 2014، وقررت المحكمة فيها أن إيمان حسن بنجامين لها الحق في الحصول على الجنسية السودانية لأن أمها كانت سودانية، وذلك دون أن تلغي قرار إدارة السجل المدني. أما في قضية دينق، فقد قررت المحكمة كذلك أن الطاعنين يستحقون الجنسية السودانية، لكنها قامت بإلغاء قرار وزارة الداخلية.

لقد كان الطاعنون في قضية مازن دينق ستة أشقاء ولدوا في السودان لأب (هو عادل علي دينق) من جنوب السودان وأم (هي سعيدة أبوزيد محمد دوكا) من شمال السودان (السودان). تقدم الأشقاء بطلب إلى وزارة الداخلية السودانية للحصول على الجنسية السودانية، لكن الأخيرة رفضت الطلبات على أساس أن والدهم فَقَدَ جنسيته السودانية بحصوله على جنسية جنوب السودان بموجب قوانين دولة جنوب السودان الحديثة، التي انفصلت رسمياً عن السودان. وقد استند الطعن المقدم إلى المحكمة الدستورية على المادة 7(2) من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 (تعديل 2011)، والتي تنص على أنه "لكل مولود من أم ]سودانية[ أو أب سوداني حق لا ينتقص في التمتع بالجنسية والمواطنة السودانية."

وكانت حجة الطاعنين هي أن تنظيم الحصول على الجنسية بالقانون لا يشمل ولا ينبغي أن يصل لدرجة تجريد الشخص من حق منحه إياه أو أقره له الدستور. بعبارة أخرى، فإنهم احتجوا بأن النصوص القانونية، لا يمكن ولا ينبغي لها أن تقوِّض النصوص الدستورية، ما يعني في هذه الحالة أن حق الطاعنين في الحصول على الجنسية السودانية عن طريق الأم، طبقاً لأحكام دستور العام 2005، لا يمكن نزعه بقانون الجنسية.

لكن ممثل وزارة الداخلية السودانية احتج بأنه على الرغم من أن الدستور يقر بحق الذين ولدوا لأم سودانية أو أب سوداني في اكتساب الجنسية السودانية، إلا أنه ينص كذلك في المادة 7(3) أن القانون ينظم مسائل الجنسية والتجنس. وفي هذا الصدد، تنص المادة 10(2) من قانون الجنسية السودانية لسنة 1994 (تعديل 2011) أن الشخص يفقد جنسيته السودانية إذا اكتسب حكماً أو حقيقةً جنسية جنوب السودان. كما تنص المادة 10(3) على أن القاصر يفقد جنسيته السودانية متى فقد "الوالد المسؤول" عنه جنسيته. واحتج مسؤول وزارة الداخلية بأن المادة 7(3) من دستور السودان، مقروءة مع المادة 10(3) من قانون الجنسية، تمنح وزارة الداخلية صلاحية عدم الاعتراف بالجنسية السودانية لمازن وأشقائه الخمسة (منذر، وميادة، ومودة، ومحمد، ومؤيد). ولذلك فإن وزارة العدل، ممثلة وزارة الداخلية، احتجت بأن الطاعنين ليس لديهم أسس يستطيعون بناءً عليها الطعن في القرار الذي منعهم الجنسية بموجب القانون، وبأنهم يستطيعون فقط الطعن في دستورية القانون نفسه.

وقد حكمت المحكمة الدستورية أن قرار وزارة الداخلية القاضي بعدم الاعتراف بحق الطاعنين في الحصول على الجنسية السودانية غير دستوري وبينت، علاوة على ذلك، أن الطاعنين لهم الحق في التقدم بطلبات للحصول على الجنسية السودانية استناداً إلى جنسية والدتهم.

هذا القرار يخاطب ويبرز نقاطاً مثيرة للاهتمام:

أولاً، يشير القرار إلى المادة 7(3) من الدستور والمادة 4(3) من قانون الجنسية السودانية (تعديل 2011). الأولى تمنح حقاً مطلقاً للأطفال المولودين لأم سودانية في الحصول على الجنسية السودانية، أي، إنهم لهم الحق في الحصول تلقائياً على الجنسية. بينما الأخرى تمنح نفس الحق، ولكن، لسوء الحظ، بشروط، لأنها تطالب مثل هؤلاء الأطفال بتقديم طلبات إلى السلطات المختصة قبل أن يتم إقرار أو تأكيد الحق في الجنسية. والقرار يؤكد لحد ما دستورية هذا الشرط، الذي يمنح وزارة الداخلية على الأقل نظرياً حق رفض الطلبات، إذ إن اتخاذ القرار، أيّ قرار، يتضمن وجود سلطة تقديرية لإقرار الطلب محل النظر أو رفضه—حتى وإن كان من المفترض أن يكون اكتساب الجنسية حقاً متى قُدم الطلب، كما هو الأمر في حالة المادة 4(3). إن قرار المحكمة هنا متسق مع قرارها السابق في قضية بنجامين، والتي سعت فيها الطاعنة إلى الحصول على قرار يقضي بعدم دستورية المادة 10(2). بيد أن المحكمة، بدلاً عن ذلك، أشارت إلى المادة 4(3) من القانون كأساس لحصول إيمان حسن بنجامين على الجنسية السودانية. ويبدو أن المحكمة أرادت تجنب الحكم بعدم دستورية قانون الجنسية بهذا الخصوص، على الرغم من أحكامه التمييزية البينة.

ثانياً، في حالة تقدم مازن وأُخوته وأخواته بطلبات للحصول على الجنسية السودانية، من غير الواضح كيف سوف تتعامل وزارة الداخلية مع حقيقة أنهم يستحقون جنسية جنوب السودان عن طريق والدهم وبالتالي، وفقاً لأحكام المادة 10(2)، غير مستحقين للجنسية السودانية.  لكن من الممكن المُحَاجَّة، مع ذلك، أن هذه المادة تتحدث عن استعادة الجنسية وليس اكتساب الجنسية. والسؤال الذي يطرح نفسه، إذا كانت هذه الحجة صالحة أو مقبولة، هو: هل سوف يحصلون على الجنسية السودانية استناداً إلى جنسية والدتهم ثم يفقدونها تلقائياً بسبب أنهم حكماً مواطنين جنوب سودانيين؟ والمادة لا تتحدث لا صراحة ولا ضمناً عن الأطفال ذوي الأمهات السودانيات واستحقاقهم أي استثناء من تحريم الجنسية المزدوجة لمن يحملون حكماً أو حقيقةً جنسية جنوب السودان. ولذلك يبدو أن القرار الصادر في هذه القضية وحكم قضية إيمان يقران استثناءً للطاعنين في القضيتين لم يتم التنصيص عليه في القانون. ولكن من غير الواضح ما لو كانت وزارة الداخلية ملزمة بتطبيق هذا الاستثناء في القضايا المشابهة التي سوف تطرأ في المستقبل.

ثالثاً، حاججت وزارة العدل بأن الطاعنين كان يتوجب عليهم الطعن في دستورية المادة 10(3). في قضية إيمان، طعنت الطاعنة في دستورية المادة 10(2)، لكن المحكمة أوضحت أن القيام بالطعن كان "سابقاً لأوانه" وخلصت إلى أن "...المادة 10(2) من قانون الجنسية السودانية لسنة 1994 تعديل 2011...تتوافق مع واقع وظروف الحال ولا تناقض دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005 والاتفاقيات التي تضمنها الدستور." وبما أن المادة 10(3) هي في الواقع جزء من ومرتبطة بالمادة 10(2)، فإنه لا يوجد سبب يجعل مازن وأشقاءه يعتقدون أن المحكمة سوف تصدر حكماً مختلفاً في حال تقدمهم بطلب لإعلان عدم دستوريتها. وكما فعلت في قضية إيمان، فإن المحكمة تجد مخرجاً سهلاً بالإشارة إلى المادة 4(3)، وهو ما فعلته في القضيتين. وعبارة "واقع وظروف الحال" ربما تشير إلى الطبيعة السياسية للتعديل الذي أُجريَ في العام 2011، والذي تم بموجبه إدخال وتبني المادة 10(2) والمادة 10(3) قبيل الانفصال الرسمي لجنوب السودان. إن المحكمة الدستورية ينبغي، من الناحية المثالية، أن تنأى بنفسها، في إصدارها قراراتها، عن الاعتبارات والتقديرات السياسية للجهازين التنفيذي والتشريعي للحكومة، إذا ما تعارضت تلك القرارات مع حقوق الإنسان أو المبادئ العامة للقانون الدولي، سيما وأن المحكمة مختصة بموجب أحكام الدستور بـ "حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية."

عليه، فإن الحكم الصادر في قضية دينق لم يخاطب مسألة دستورية المادة 10(2) و (3) وذلك على أساس أن فشل الأطراف في مناقشة الأمر كان يعني أن دستورية المادة لم تكن مسألة مثارة أصلاً للنقاش. ومع ذلك، وفيما يتعلق بالمساواة الاجتماعية في المواطنة ومنع حالات انعدام الجنسية، فإن حكم المحكمة، في رأيي، يعتبر خطوة للأمام: فهو مكتوب بشكل جيد باللغة العربية ونوقش جيداً فيما يتعلق بالطلب المحدد الذي تم عرضه أمام المحكمة. والحكم، كما أشرتُ سلفاً، متفق مع ما قالته المحكمة في قضية إيمان حسن بنجامين وهو أن إيمان كانت مستحقة اكتساب الجنسية السودانية مرة أخرى استناداً إلى جنسية والدتها، باستثناء أن المحكمة في قضية إيمان لم تلغِ قرار إدارة السجل المدني، والذي مُنعت بموجبه من الحصول على رقم الهوية الوطنية (المعروف بالرقم الوطني).

وختام القول هو أن نظر وتقرير السلطات السودانية المختصة فيما لو كان الأشخاص المولدون لوالدين من السودان وجنوب السودان يستحقون الحصول أو الحصول مرة ثانية على المواطنة السودانية هو أمر صحي نسبياً، بالمقارنة مع الترحيل أو السجن—الذي هُدد به في وقت من الأوقات. ومن المحتمل أن يستمر رفع قضايا المولودين لآباء من جنوب السودان أمام المحكمة الدستورية. ونظراً إلى أن المحكمة تذعن للاعتبارات السياسية التي كانت وراء تعديل قانون الجنسية في العام 2011، فمن غير المتوقع أن تصدر المحكمة قراراً أفضل في قضايا مستقبلية مماثلة، طالما أن المادة 10(2) و (3) سارية. ولذلك فإن التحدي الحقيقي فيما يتعلق بمسألة مواطنة الأفراد الذي لهم جذور في جنوب السودان هو إلغاء المادة 10(2) و (3) جملة واحدة. وفي هذا الصدد، أوضح الطاعنون في حجتهم، وهم محقون في ذلك، أن أحكام الدستور سامية وأن وظيفة القانون هي التنظيم فحسب، ما يعني أن القانون لا يمكنه تجريد الأفراد من حقوقهم التي تم إقرارها أو منحها بالدستور. وحتى لو سلمنا جدلاً أن المادة 10(2) دستورية وأن الوالد فَقَدَ جنسيته نتيجةً لذلك، فإن الأطفال لا ينبغي أن يفقدوا جنسيتهم. ومن وجهة نظري، ينبغي التمييز بشكل صارم بين فقدان أو إلغاء الجنسية لسبب وُجد قبل الحصول عليها (الغش مثلاً) وفقدان الجنسية أو إلغاؤها لسبب وُجد بعد الحصول عليها (قرار سياسي مثلاً، كما هو الأمر في حال السودان). ففي الحالة الأولى، يمكن أن تتجاوز آثار الفقدان أو الإلغاء الشخص الذي فقد جنسيته (الأب في هذه الحالة)، إذا ما خلصت قرارات منفصلة أُصدرت بغرض التجريد من الجنسية أنهم كذلك حصلوا عليها عن طريق الغش وأن المصالح الفضلى للأطفال لا تقتضي احتفاظهم بها. ولذلك فإن الأطفال وغيرهم ممن حصلوا على الجنسية اعتماداً على جنسية والدهم (التي أُلغيت من أساسها)، لا ينبغي أن يفقدوا جنسيتهم إذا كانوا، بموجب ذلك الإلغاء، سيصيرون عديمي الجنسية.  هذا فضلاً عن أن القانون السوداني يقر مبدأ حق الأرض أو التراب، إذا كان والد مقدم الطلب مولوداً في السودان قبل دخول قانون الجنسية لعام 1994 حيز النفاذ. لسوء الحظ، فإن الطبيعة السياسية لتعديل العام 2011 وميل المحكمة إلى احترامها يقفان عقبة أمام أي فحص أو نقاش موضوعي حول هذه المسائل، والتي كان بإمكان المحكمة مخاطبتها ولو في آراء عابرة.

 

بقلم

نصرالدين عبدالباري*

* مستشار مستقل وطالب دكتوراه بكلية القانون بجامعة جورجتاون. النسخة الأصلية من هذا المقال نُشرت باللغة الإنجليزية بموقع مبادرة حقوق المواطنة بأفريقيا (CRAI).



للإطلاع على القرار... إضغط هنـــــا

+216 31 197 377
ضفاف البحيرة
تونس الجمهورية التونسية 
التسجيل في النشرة الإخبارية


Joomla Extensions powered by Joobi