المنظمة العربية للقانون الدستوري

منبر للخبراء و الباحثيين الدستوريين للخوض في السياسات العامة بالمنطقة العربية

المنظمة العربية للقانون الدستوري

تقارير ومقالات

من أهم مستجدات الدستور المغربي لسنة 2011، النص في الباب الثامن منه على إنشاء  المحكمة الدستورية التي عوضت المجلس الدستوري الذي كان منصوصا عليه في دستوري 1992 و 1996. ولتسليط الضوء بشكل جلي على المقتضيات الدستورية المؤطرة للقضاء الدستوري بالمغرب، سنتناول موضوع المحكمة الدستورية من خلال المحاور التالية:

المحور الأول: تأليف المحكمة الدستورية

طبقا للفصل 130من الدستور“ تتألف المحكمة الدستورية من اثني عشر عضوا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ستة أعضاء يعينهم الملك، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وستة أعضاء يُنتخب نصفهم من قبل مجلس النواب، وينتخب النصف الآخر من قبل مجلس المستشارين من بين المترشحين الذين يقدمهم مكتب كل مجلس ،وذلك بعد التصويت بالاقتراع السري وبأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس وإذا تعذر على المجلسين أو على أحدهما انتخاب هؤلاء الأعضاء، داخل الأجل القانوني للتجديد، تمارس المحكمة اختصاصاتها، وتصدر قراراتها، وفق نصاب لا يُحتسب فيه الأعضاء الذين لم يقع بعد انتخابهم.
يتم كل ثلاث سنوات تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المحكمة الدستورية.
يعين الملك رئيس المحكمة الدستورية من بين الأعضاء الذين تتألف منهم.
يتم اختيار  أعضاء المحكمة الدستورية من بين شخصيات  ذات خلفية قانونية عالية ، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة".

ومن خلال هذا الفصل يتضح جليا  أن المحكمة الدستورية تتألف من نوعين من الأعضاء:

  1. أعضاء معينون
  2. أعضاء منتخبون

كما يتبين تقاسم مسؤولية التعيين من قبل كل من الملك ومجلسي البرلمان، ومن هنا تطرح إشكالية التوازن في التعيين.

ويتضح أيضا  أن المشرع الدستوري وضع عدة ضمانات لاستقلالية أعضاء المحكمة الدستورية، ولجودة عملها، وتتجلي هذه الضمانات فيما يلي:

  1. طول مدة العضوية
  2. عدم قابلية العضوية للتجديد
  3. اشتراط الكفاءة والتخصص في الأعضاء
  4. اشتراط أقدمية 15 سنة من العمل في الأعضاء
  5. اشتراط التجرد والنزاهة في الأعضاء

ومن أجل مزيد من الضمانات اللازمة لاستقلالية أعضاء المحكمة الدستورية، نص المشرع الدستوري في الفصل 131، على أن ” يحدد قانون تنظيمي قواعد تنظيم المحكمة الدستورية وسيرها والإجراءات المتبعة أمامها، ووضعية أعضائها.

 يحدد القانون التنظيمي أيضا المهام التي لا يجوز الجمع بينها وبين عضوية المحكمة الدستورية، خاصة ما يتعلق منها بالمهن الحرة، وطريقة إجراء التجديدين الأولين لثلث أعضائها، وكيفية تعيين من يحل محل أعضائها الذين استحال عليهم القيام بمهامهم، أو استقالوا أو توفوا أثناء مدة عضويتهم“.

ومن خلال هذا الفصل يتبين أن هناك عدة حالات للتنافي مع عضوية المحكمة الدستورية، وستكون هناك العديد من المقتضيات التي ستتعمق في ضمانات استقلالية أعضاء المحكمة الدستورية وهذا بالفعل ما تضمنه القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية.

المحور الثاني: اختصاصات المحكمة الدستورية

عملا بمقتضيات الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية والقانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية ومجموعة من القوانين التنظيمية الأخرى ، فالمحكمة الدستورية  تتولى ممارسة مجموعة كبيرة من الاختصاصات تتمثل فيما يلي:

أولا: الرقابة على دستورية القوانين

في هذا الصدد تتولى المحكمة الدستورية النظر في مدى مطابقة القوانين للدستور، وفي هذا الخصوص تمارس نوعين من الرقابة:

  • رقابة إلزامية، وتتعلق بالقوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية، وهذا ما تنص عليه الفقرة الثانية من الفصل 132، والتي جاء فيها :   تحال إلى المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، والأنظمة الداخلية لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين قبل الشروع في تطبيقها لتبت في مطابقتها للدستور“ .   

 

  • رقابة اختيارية، وتتعلق بالقوانين العادية، وفي هذا السياق ينص المشرع الدستوري في الفقرة الثالثة من الفصل 132 على ما يلي: ” يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور“.

ومن خلال هذه المقتضيات، يتضح جليا أن المشرع الدستوري يسر وسهل نوعا ما، مهمة الطعن في دستورية القوانين العادية، حيث تم تخفيض النصاب القانوني المتعلق بالطعون المقدمة من قبل أعضاء مجلسي البرلمان. فبعدما كان هذا النصاب محددا في دستور سنة 1996 في ربع أعضاء مجلس النواب وربع أعضاء مجلس المستشارين، تم تخفيضه في ظل الدستور الحالي، وحدد في خمس أعضاء مجلس النواب بدل الربع، وأربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين بدل الربع أيضا. و الغاية من هذا التخفيض في النصاب بطبيعة الحال ، هي تيسير مهمة الأقلية و المعارضة في البرلمان، وتمكينها من ممارسة المهام المخولة لها بمقتضى الدستور و القوانين التنظيمية و القوانين الداخلية الجاري بها العمل، وذلك خصوصا بعدما كشفت الممارسة صعوبة  إن لم تكن استحالة  توفر النصاب القانوني للطعن في دستورية مجموعة من القوانين العادية في إطار الدساتير السابقة.

 

ثانيا: البت في الطعون المتعلقة بالانتخابات التشريعية

تدخل المنازعات المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلسي البرلمان ضمن اختصاصات المحكمة الدستورية. وقد كان المجلس الدستوري يمارس هذا الاختصاص منذ إنشائه  وكذلك الأمر بالنسبة للغرفة الدستورية، ولكن الجديد في دستور 2011 هو تحديد أجل صدور قرارات المحكمة الدستورية المتعلقة بالمنازعات الانتخابية. وفي هذا الصدد تنص الفقرة الأخيرة من الفصل 132 على أن ” تبت المحكمة الدستورية في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان، داخل أجل سنة، ابتداء  من تاريخ انقضاء أجل تقديم الطعون إليها. غير أن للمحكمة تجاوز هذا الأجل بموجب قرار معلل، إذا استوجب ذلك عدد الطعون المرفوعة إليها، أو استلزم ذلك الطعن المقدم إليها“.

 

ثالثا: البت في صحة عمليات الاستفتاء

من بين الاختصاصات التي أسندت للمحكمة الدستورية أيضا، البث في صحة عمليات الاستفتاء (الفقرة الأولى من الفصل 132)، وهذا ما تؤكده الفقرة الأخيرة من الفصل 174من الباب الثالث عشر من الدستور والمتعلق بمراجعة الدستور، والتي تنص على أن ” تراقب المحكمة الدستورية صحة إجراءات هذه المراجعة وتعلن نتيجتها“.

 

 

رابعا: تغيير الطبيعة القانونية للنصوص

 

في حالة ما إذا تبين بأن البرلمان قد تجاوز حدود الاختصاصات المستندة إليه صراحة بفصول الدستور، وقام بالتشريع في أمر ما يدخل ضمن اختصاص المجال التنظيمي، فإن الدستور يرتب عن هذا العمل عدة نتائج، تلعب فيها المحكمة الدستورية الدور الأساسي، وهذا ما يقره الفصل 73 من الدستور والذي ينص على أنه ” يمكن تغيير النصوص التشريعية من حيث الشكل بمرسوم، بعد موافقة المحكمة الدستورية، إذا كان مضمونها يدخل في مجال من المجالات التي تمارس فيها السلطة التنظيمية اختصاصها “.

وتجدر الإشارة لكون اختصاصات البرلمان محددة في الدستور بشكل حصري، وذلك على خلاف اختصاصات السلطة التنظيمية حيث ينص الفصل 72 من الدستور على أن يختص المجال التنظيمي بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون".

 

خامسا: البت في حالات الخلاف بين الحكومة والبرلمان في الاختصاص

في هذا الخصوص ينص الفصل 79 من دستور 2011، على أن للحكومة أن تدفع بعدم قبول كل مقترح أو تعديل لا يدخل في مجال القانون. كل خلاف في هذا الشأن تبت فيه المحكمة الدستورية، في أجل ثمانية أيام، بطلب من أحد رئيسي المجلسين، أو من رئيس الحكومة “.

وكما يبدو من خلال هذا الفصل فإحالة هذا النوع من القضايا على المحكمة الدستورية مخول لكل من رئيسي مجلسي البرلمان  وكذلك  رئيس الحكومة

والمحكمة الدستورية ملزمة دستوريا بإصدار قرارها في هذا الخصوص داخل أجل ثمانية أيام  تبدأ من تاريخ الإحالة عليها.

 

سادسا: البت في مدى مخالفة الالتزامات الدولية لمقتضيات الدستور

في هذا الخصوص تنص الفقرة الأخيرة من الفصل 55 من الدستور بأنه“إذا صرحت المحكمة الدستورية، إثر إحالة الملك أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو سدس أعضاء المجلس الأول، أو ربع أعضاء المجلس الثاني، الأمر إليها، أن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف الدستور، فإن المصادقة على هذا الالتزام لا تقع إلا بعد مراجعة الدستور“.

ومن خلال هذا الفصل يتضح بأن الاتفاقيات الدولية أسمى حتى من الوثيقة الدستورية، مادام يمكن للدستور أن يخضع للمراجعة بهدف جعله ملائما لمقتضيات اتفاقية دولية معينة. كما يتضح بأن مسألة التحفظ على بعض البنود والمواد الواردة في اتفاقية دولية معينة لم يعد له من مبرر.

ويتضح أيضا بأن ما تضمنه هذا الفصل يزكي توجه المشرع الدستوري الذي نص في الفقرة ما قبل الأخيرة من ديباجة الدستور على جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة“.

 

سابعا: النظر في الدفوع المتعلقة بعدم دستورية القوانين

من بين أهم ما تضمنه دستور 2011، هو تخويل المواطنات والمواطنين الحق في التقدم بدفوع بعدم دستورية قانون ما أمام المحاكم، ولكن بالنظر لعدم إمكانية جميع محاكم المملكة على اختلاف درجاتها، النظر في مدى موافقة أو مخالفة قانون ما لمقتضيات الدستور، فقد نص المشرع الدستوري على إحالة كل دفع في هذا الصدد على أنظار المحكمة الدستورية، وهذا ما ينص عليه الفصل 133 من الدستور والذي يقضي بأن تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور.
يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل “.

ويترتب  على تطبيق مقتضيات الفصلين 132 و 133 من الدستور عدة نتائج، وهذا ما تقره الفقرة الأولى من الفصل 134، والتي تنص على أنه “لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ مقتضى تم التصريح بعدم دستوريته على أساس الفصل 132 من هذا الدستور، ولا تطبيقه، وينسخ كل مقتضى تم التصريح بعدم دستوريته على أساس الفصل 133من الدستور، ابتداء  من التاريخ الذي حددته المحكمة الدستورية في قرارها “.

ومن خلال مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 134 ، نستنتج بأن كل قانون قضت المحكمة الدستورية  بعدم دستوريته لا يمكن العمل على إصداره ولا على تطبيقه، حيث يعتبر في حكم العدم.

كما يتبين بأن كل قانون قررت المحكمة الدستورية بعدم دستورية بعض مقتضياته تطبيقا لأحكام الفصل 133 من الدستور، يتم نسخ أحكامه المخالفة للدستور، بمعنى أن مصير البنود المخالفة للدستور هو الإلغاء. وفي هذا الأمر ضمان وحماية كبرى للحقوق والحريات المنصوص عليها في الباب الثاني وفي فصول أخرى من الدستور.

 

القيمة القانونية لقرارات المحكمة الدستورية

تجدر الإشارة إلى كون جميع القرارات الصادرة عن المحكمة الدستورية في مختلف مجالات اختصاصها، تعد قرارات نهائية، وهذا ما نص عليه المشرع الدستوري في الفقرة الثانية من الفصل 134، والتي صرحت بأن لا تقبل قرارات المحكمة الدستورية أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية“.

 

 

                              أحمد مفيد

أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية

                                 

+216 31 197 377
ضفاف البحيرة
تونس الجمهورية التونسية 
التسجيل في النشرة الإخبارية


Joomla Extensions powered by Joobi