المنظمة العربية للقانون الدستوري

منبر للخبراء و الباحثيين الدستوريين للخوض في السياسات العامة بالمنطقة العربية

المنظمة العربية للقانون الدستوري

تقارير ومقالات

في بداية العام 1943، وبينما كان لبنان يرزخ تحت الإنتداب الفرنسي، صدر قانون العقوبات لينص في مادته 534 على التالي: "كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة"... وقد استعانت الضابطة العدلية بهذه المادة لملاحقة المثليين، المثليات والمتحولين جنسياً. في حين جرّم الجسم القضائي العلاقات المثلية الرضائية بين الراشدين، باستثناء قلة منه تقصدت إخراج هذه العلاقات من دائرة المعاقبة.

تعسف الضابطة العدلية في استعمال المادة 534

 على الرغم من خلو قانون العقوبات اللبناني  من النص  الصريح على فئة المثليين والمثليات، على غرار بعض التشريعات في الدول العربية والأجنبية، إلا أن الضابطة العدلية رأت في "المجامعة على خلاف الطبيعة" السند القانوني الضمني لتجريم العلاقات المثلية.

         فلم تتوانَ القوى الأمنية المعنية على الإيعاز إلى الأطباء الشرعيين اللجوء إلى الفحوصات الشرجية على الموقوفين، بعد الحصول على إشارة من النيابة العامة. وعلى الرغم من شبه الإجماع داخل الجسم الطبي على هشاشة نتائج هذه الفحوصات وافتقارها إلى الحد الأدنى من الدقة والمنهجية العلمية السليمة، بالإضافة إلى تعرضها الفاضح للخصوصية وإهانتها للكرامة الإنسانية (مشكّلةً بحد ذاتها تعذيباً)، فضلاً على إخلالها بالآداب الطبية ومخالفتها لقرينة البراءة، فقد استرسلت النيابات العامة في اللجوء إلى هذه الفحوصات المعروفة بـ"فحوصات العار".

         وعلى الرغم من إصدار وزير العدل كتاباً للنائب العام التمييزي خلال العام 2012 يطلب منه إصدار أمر الى النيابات العامة المختلفة بالإمتناع عن التأشير بإجراء فحوصات شرجية، إلّا أن منظمة الـ"هيومن رايتس ووتش" أشارت إلى محدودية هذا الإجراء في تقرير أعدّته عن تعذيب الشرطة في لبنان للفئات المستضعفة.

كما واظبت عناصر القوى الأمنية على استخدام وسائل إثبات مريبة عززت التهميش القانوني للمثليين، كبدء التحقيقات رغم انتفاء أي دليل على وقوع الجريمة أو التوسع في التحقيقات من دون إشارة من النيابة العامة. فغالباً ما تباشر الملاحقات بناءً على ادعاءات فردية ووشايات كيدية، أو الإعتماد على المظهر الخارجي للرجال كاللباس أو التصرفات التي تصنف "بغير الذكورية"…، من دون وجود أي دليل حسي على حصول مخالفة لقانون العقوبات.

أما في العام 2014، فقد اتخذت هذه التجاوزات منعطفاً خطيراً بعد توقيف جميع المتواجدين في احدى الحمامات البيروتية، إذ غَلّب عناصر الضابطة العدلية الطابع الجماعي للملاحقة على حساب حقوق الأفراد من خلال إصدار قرار سابق بتوقيف جميع الموجودين في الحمام، بالإضافة إلى إغفالهم استجواب بعض الموقوفين والإمتناع عن توثيق جميع الإفادات. كما حثّت العقلية الرجعية المتحجرة لدى عناصر قوى الأمن والنيابة العامة إلى إخضاع جميع الموقوفين لفحص الإيدز والمخدرات من دون وجود أي رابط منطقي أو علمي بين النشاط الجنسي "الشاذ" من جهة، ومرض الإيدز وتعاطي المخدرات من جهة أخرى.

وما يبهر المراقب الحقوقي هي محاولة القوى الأمنية تبرير أفعالها من خلال الإدلاء بآراء سوسيولوجية وفقهية بعيدة عن مجال خبراتها ولا تدخل ضمن صلاحياتها عندما صنّفت المثلية الجنسية "كظاهرة (...)غير مقبولة إجتماعياً قبل أن تكون مُجرّمة بمتقضى المادة 534"، رامية الكرة في ملعب السلطة القضائية بقولها أن "موضوع تفسير عبارة «على خلاف الطبيعة» (...) يرجع تقديره للقضاء".

         وعلى الرغم من التناغم في مواقف الضابطة العدلية والجهات القضائية التي غالباً ما استخدمت هذه المادة لمعاقبة العلاقات المثلية  (على الرغم من التباين الطفيف بين قضاة النيابة وقضاة الحكم على هذا الصعيد)، إلّا أن عدداً من قضاة الجزاء المنفردين رفض تجريمها خلال السنوات الأخيرة، ما يمهد إلى قلب الإجتهاد السائد، وبالتالي إعفاء شريحة مهمة من المجتمع اللبناني من العقاب بسبب ميولهم الجنسية.

         قضاة يغردون خارج السرب: العلاقات المثلية لا تندرج ضمن "المجامعة على خلاف الطبيعة"

 

لم تكتف القرارات القضائية الثلاث، والتي سنعرضها تباعاً، على تبرئة المدعى عليهم بموجب المادة 534 من قانون العقوبات لإنتفاء العناصر المادية للجريمة، بل "تقصّدت" إعطاء تفسير جريء لمفهوم "المجامعة على خلاف الطبيعة". مما يعكس حرص القضاة على الإستفادة من صلاحياتهم التفسيرية بغية تعزيز دورهم ضمن المؤسسات الدستورية.

         استُهِلّ هذا "الانعطاف" في الإجتهاد بحكم صدر عن القاضي المنفرد الجزائي في البترون بتاريخ 3/12/2009، أقر فيه بتبدل مفهوم "الطبيعة"، رابطاً إيّاه "بذهنية المجتمع وأعرافه ومدى تقبّله أنماطاً طبيعية جديدة غير مألوفة منه أو غير مقبولة. (...) فالإنسان لم يستطع بعد فهم قوانين الطبيعة بجوانبها كلّها ولا يزال حتى اليوم يسعى لاكتشاف الطبيعة وطبيعته حتى (...) فهو جزءٌ من الطبيعة وأحد عناصرها". وبالتالي، يكون القاضي الجزائي قد فتح ثغرة في عالم المسلّمات والآراء المسبقة، ليتناول مسألة المثلية كقضية إجتماعية، عرضة للتبدل على ضوء تطور المجتمع.

         هذا الحكم الذي عُدّ سابقة في تاريخ القضاء اللبناني (أو حتى العربي)، ظلّ يتيماً إلى أن أُرفق بقرار آخر صدر بتاريخ 28/1/2014 عن القاضي المنفرد الجزائي في جديدة المتن برّأ بموجبه متحوّلة جنسياً، بعدما تم الإدعاء عليها على أساس أنها تقيم علاقات مع ذكور. فقد ذهب الحكم الى تعريف حصري لمفهوم "الخلاف للطبيعة" عندما اعتبر "الأشخاص المصابين بحالة الإضطراب في الهوية الجنسية (...) وإن شذّوا عن القاعدة وخرجوا عن المألوف، فهم يبقون من ولادة الطبيعة التي لم يخرجوا إلّا منها (...) فالخروج عن المألوف لا يعني الشذوذ وأن الطبيعة لا تعرّف بسلوك الأكثرية". كما أنهى قراره بالتأكيد على أن هذه العلاقات الجنسية لا تشكّل "مجامعة خلافاً للطبيعة بالمفهوم الجزائي لقانون العقوبات اللبناني، وإن كان الأمر يبقى عكس ذلك بمفهوم الأديان السماوية".

         بالمقابل، أردف القاضي المنفرد الجزائي في المتن، في قرار له بتاريخ 5/5/2016 ، بأن عبارة "مجامعة على خلاف الطبيعة" غير محددة الإطار والمقصد والمدلول، إذ أن مفهوم "الطبيعة" يمكن أن ينطوي على معان مختلفة بحسب المنظار المتّخذ لتفسيره لاسيما متى تعلّق بالعلاقات الإنسانية المتغيرة دائماً والخاضعة لتطور المفاهيم والأعراف والمعتقدات، وغير مرتبطة حتماً بالقواعد الدينية أو الإجتماعية... ليعيد بالتالي إلى القضاء سلطةَ تفسيرها "على نحو ينسجم مع المبادئ العامّة المكرّسة في النظام القانونيّ اللبنانيّ، بدءاً من الدستور إلى المعاهدات الدوليّة، وعلى رأسها "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" والمبادئ المكرّسة من قبل منظمة الأمم المتحدة". كذلك، استند القرار على مراجعة "منظمة الصحة العالمية" (ICD-10) التي أكدت أن المثليّة الجنسيّة لا تتطلب علاجاً كونها ليست اضطراباً أو مرضاً.

ملاحظات ختامية

 

         إذا كان يصعب على المراقب الحقوقي إخفاء ابتهاجه بهذه "الإنتفاضة" داخل الجسم القضائي لمؤازرة حقوق الفئات المثلية المهمشة في لبنان، إلّا أنه ملتزم بالضغط على اللاعبين الآخرين داخل المؤسسات الدستورية، وعلى رأسهم البرلمانيين، للشروع بواجباتهم الأساسية في "طبخ" القواعد القانونية أو إلغائها. فالتجربة الهندية على هذا الصعيد تبيّن لنا خطورة  الاتكال الحصري على السلطة القضائية لتكريس عدم تجريم العلاقات المثلية...

         إنّ الخطر الحقيقي  أمام   الانفتاح التدريجي والمتصاعد للمجتمع اللبناني على تفهم حقوق المثليين و استيعابه لهذه "الظاهرة"، يكمن في ردة الفعل المعاكسة من الزعماء الروحيين للطوائف الدينية، مسيحية كانت أم مسلمة، والضغوط التي قد تفرضها على الأحزاب الطائفية في اتجاه تجريم "صريح" للعلاقات المثلية ضمن قانون العقوبات.

وقد لوحظت بوادر هذه التحركات في التصريحات الهوموفوبية لبعض رؤساء البلديات والتحركات الشعبية المؤيدة لها بغطاء حزبي. كذلك المؤتمرات الدينية "المشتركة" التي أدانت المثلية التي "قبّحها كل عاقل متّزن ونفر منها كل إنسان ذو خلق سوي"... حتى أن بعض القوى العلمانية التي دعت لتفكيك النظام الطائفي رفضت صراحةً تبني حقوق المثليين في حملاتها، معارضة بشدة أي نقد للعلاقات الغيرية في النظام اللبناني.

         لذلك لا بدّ من التركيز على الدور المحوري للمجلس الدستوري في نقض أي قانون يعمد على معاقبة العلاقات المثلية لمخالفتها أحكام الدستور والمعاهدات الدولية التي التزم بها لبنان، الكفيلة بإعلان عدم تطابق تجريم المثلية مع الحقوق الأساسية للأفراد كالمساواة، وعدم التمييز على أساس الجنس، بالإضافة إلى ضربها عرض الحائط للحق في الخصوصية والتمتع بالكرامة الإنسانية، وشجبها جميع أنواع التعذيب والإضطهاد الإجتماعي...

         إذاً إن تفعيل دور القضاء وعقلنته من خلال الحؤول دون إعادة إنتاجه للآراء الهوموفوبية المسبقة، خطوة متقدمة وضرورية. غير أن التجارب الأجنبية في هذا المضمار أجمعت على أن النضال هو إجتماعي أولاً وأخيراً. فالفئات الإجتماعية بمختلف أطيافها، بمؤازرة الإعلام المحلي، مدعوّة الى طرح مسألة المثلية ضمن نقاش عقلاني منطقي، ليشكّل حداً لمخاوف "البعض المحافظ او المتدين" وهواجسه، وانطلاقةً نحو احترام حقوق المثليين للإستفادة من طاقاتهم بما يخدم المجتمع ككل.

 

د. سيمون بدران

أستاذ مساعد في الجامعة الأمريكية في الإمارات

+216 31 197 377
ضفاف البحيرة
تونس الجمهورية التونسية 
التسجيل في النشرة الإخبارية


Joomla Extensions powered by Joobi